يُعد كلٌّ من الإدمان والمرض النفسي من القضايا الصحية الأكثر تعقيدًا وانتشارًا في عصرنا الحديث. ورغم أن كلًّا منهما يُعدّ اضطرابًا مستقلًا، إلا أن العلاقة بينهما وثيقة ومتبادلة إلى حدٍّ كبير، حيث يؤثر أحدهما على الآخر في دائرة يصعب كسرها دون علاج شامل ومتكامل.
كيف يبدأ الارتباط بين الإدمان والمرض النفسي؟
غالبًا ما يبدأ الأمر بأحد الجانبين:
- فالبعض يُصاب باضطراب نفسي مثل الاكتئاب أو القلق، فيلجأ إلى تعاطي المواد المخدرة كوسيلة للهروب أو التخفيف من الألم النفسي.
- بينما يبدأ آخرون بتعاطي المخدرات بدافع التجربة أو الضغط الاجتماعي، لتظهر بعد ذلك اضطرابات نفسية نتيجة تأثير هذه المواد على الدماغ والمشاعر.
هذه العلاقة تُعرف طبيًا باسم الاضطرابات المزدوجة، أي وجود إدمان ومرض نفسي في الوقت نفسه.
تأثير الإدمان على الدماغ والصحة النفسية
المواد المخدرة تغيّر الطريقة التي يعمل بها الدماغ، خاصة في المناطق المسؤولة عن المكافأة، والتحفيز، والمزاج.
ومع الاستمرار في التعاطي، يفقد الدماغ قدرته الطبيعية على تنظيم المشاعر، مما يؤدي إلى:
- تقلبات مزاجية حادة
- ضعف التركيز والذاكرة
- زيادة نوبات القلق والاكتئاب
- تدهور القدرة على اتخاذ القرار
وبمرور الوقت، تصبح المادة المخدرة الوسيلة الوحيدة التي يشعر فيها الشخص بالراحة، مما يزيد من الاعتماد النفسي والجسدي عليه
ما هي الأمراض النفسية الأكثر ارتباطًا بالإدمان؟
تشير الدراسات إلى أن بعض الاضطرابات النفسية ترتبط بالإدمان أكثر من غيرها، ومن أبرزها:
- الاكتئاب: حيث يستخدم البعض المخدرات للهروب من مشاعر الحزن واليأس.
- القلق واضطراب الهلع: في محاولة لتهدئة التوتر أو الخوف.
- الفصام: إذ قد يؤدي تعاطي بعض المواد إلى تفاقم الأعراض الذهانية.
- اضطراب ثنائي القطب: حيث قد تزيد المواد المخدرة من نوبات الهوس أو الاكتئاب.
ما هي العوامل المشتركة التي تزيد خطر الإصابة الإدمان والمرض النفسي؟

العلاقة بين الإدمان والمرض النفسي
- العوامل الوراثية:
وجود تاريخ عائلي للإدمان أو الاضطرابات النفسية يزيد احتمالية الإصابة بالإدمان والمرض النفسي. - الضغوط الحياتية:
الصدمات، العنف، أو الفقد يمكن أن تدفع الإنسان إلى استخدام المواد المخدّرة هربًا من الألم النفسي. - البيئة الاجتماعية:
غياب الدعم الأسري، أو التواجد في بيئة تشجع على التعاطي، يسهم في ترسيخ الإدمان. - التغيرات في كيمياء الدماغ:
كلٌّ من المرض النفسي والإدمان يُحدث تغيّرات في مراكز المكافأة في الدماغ، مما يربط بين السلوك والمشاعر بشكل معقد.
هل المرض النفسي يسبب الإدمان؟
الإجابة المختصرة هي أن الارتباط يعمل في كلا الاتجاهين، ويصعب تحديد السبب والنتيجة بدقة.
- من المرض النفسي إلى الإدمان: كثير من الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية مثل القلق، أو الاكتئاب، أو اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) يلجؤون إلى المواد المخدرة أو الكحول كوسيلة للهروب أو تخفيف الأعراض المؤلمة.
- من الإدمان إلى المرض النفسي: الاستخدام المطول والمفرط للمواد يمكن أن يغير كيمياء الدماغ، مما يؤدي إلى ظهور أعراض اضطرابات نفسية جديدة أو تفاقم اضطرابات موجودة بالفعل. على سبيل المثال، قد يؤدي استخدام المنشطات إلى الذهان أو القلق الشديد.
- التأثير المتبادل: غالباً ما تتفاقم الحالتان معاً في حلقة مفرغة؛ باستخدام المواد يزيد من حدة أعراض الاكتئاب، مما يدفع الشخص إلى استخدام المزيد من المواد بحثاً عن راحة مؤقتة.
ما هي أهمية العلاج المتكامل؟
من الخطأ التعامل مع الإدمان والمرض النفسي بشكل منفصل. العلاج الناجح يجب أن يشمل:
- العلاج النفسي (مثل العلاج المعرفي السلوكي) لفهم جذور المشكلة وتغيير الأفكار والسلوكيات السلبية.
- العلاج الدوائي لتخفيف أعراض الاكتئاب أو القلق بإشراف الطبيب.
- برامج التأهيل والدعم المجتمعي لمساعدة المريض على استعادة التوازن والاندماج في الحياة.
الدمج بين العلاج النفسي والإدمان يرفع فرص التعافي بشكل كبير ويمنع الانتكاس.
الوقاية خير من العلاج
من المهم رفع الوعي حول مخاطر الإدمان وأثره على الصحة النفسية، وتشجيع الأفراد على:
- التحدث عن مشاكلهم النفسية دون خجل
- طلب المساعدة من مختصين في وقت مبكر
- الاهتمام بالصحة النفسية مثلما نهتم بالصحة الجسدية
الخلاصة
العلاقة بين الإدمان والمرض النفسي معقدة، لكنها مفهومة وقابلة للعلاج.
فهم هذه العلاقة خطوة أساسية نحو التعافي الحقيقي، لأن علاج الإدمان لا يكتمل إلا بعلاج أسبابه النفسية، والعكس صحيح. الشفاء من الإدمان والمرض النفسي ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب إرادة قوية، وعلاجًا متخصصًا، ومتابعة مستمرة. إعادة بناء الثقة بالنفس، وممارسة الرياضة، والنوم الجيد، والتغذية المتوازنة، كلها خطوات تُساعد الدماغ على استعادة توازنه.