تعد الاضطرابات النفسية من أكثر المشاكل الصحية شيوعا في العالم، إذا تؤثر على السلوك والمشاعر وجودة الحياة.ولكن السؤال الأكثر شيوعاً، هل الاضطرابات النفسية وراثية أم ناتجة عن عوامل بيئية وحياتية؟

في هذا المقال سنتناول العلاقة بين الوراثة والصحة النفسية، ونوضح كيف يمكن أن تؤثر الجينات والبيئة معا في ظهور الاضطرابات النفسية؟

ما المقصود بالعامل الوراثي في الاضطرابات النفسية؟

المقصود بـ العامل الوراثي في سياق الاضطرابات النفسية هو الاستعداد أو القابلية البيولوجية التي تنتقل من الآباء إلى الأبناء عبر الجينات، وتجعل الشخص أكثر عرضة للإصابة باضطراب نفسي معين مقارنة بشخص آخر ليس لديه هذا التاريخ العائلي. في معظم الحالات، لا يعني العامل الوراثي (وجود جين واحد )يضمن حدوث المرض. بدلاً من ذلك، هو ناتج عن تفاعل معقد بين عدة جينات (وراثة متعددة الجينات). وعندئذ العامل الوراثي لا يحدد مصير الشخص بالاصابة بل يزيد من احتمالية الاصابة.

باختصار، العامل الوراثي هو أن الجينات تمنح الفرد مخاطرة متزايدة للإصابة بالمرض، ولكنه ليس السبب الوحيد أو الحاسم لحدوث الاضطراب.

وجود تاريخ مرضي نفسي في العائلة لا يعني حتمية إصابة الأفراد الآخرين به. فعلى سبيل المثال، حتى في حالات الفصام، إذا كان أحد الوالدين مصاباً، تظل احتمالية عدم إصابة الطفل بالمرض أكبر بكثير من احتمالية إصابته.

ما هي الاضطرابات النفسية المتعلقة بالوراثة؟

تشير الأبحاث والدراسات العائلية إلى أن العديد من الاضطرابات النفسية الكبرى تحمل مكوناً وراثياً واضحاً يرفع من احتمالية ظهورها لدى الأفراد الذين لديهم تاريخ عائلي للمرض. ومع ذلك، من المهم التذكير بأن الوراثة هنا تعني الاستعداد وليست الحكم الحتمي.

من أبرز هذه الاضطرابات:

1. الاضطراب ثنائي القطب

يعد الاضطراب ثنائي القطب، الذي يتميز بتقلبات مزاجية حادة بين نوبات الهوس (النشاط المفرط والابتهاج) ونوبات الاكتئاب، واحداً من أكثر الاضطرابات النفسية ارتباطاً بالعامل الوراثي. تشير الدراسات إلى أن القابلية الجينية تلعب دوراً كبيراً جداً في تطوره، حيث تزيد احتمالية إصابة الأبناء به بشكل ملحوظ إذا كان أحد الوالدين مصاباً.

2. الفصام 

يُظهر الفصام (الشيزوفرينيا)، وهو اضطراب ذهاني يؤثر على التفكير والإدراك والسلوك، نزعة قوية للانتشار داخل العائلات. وفي حين أن جينات محددة متعددة تلعب دوراً، فإن وجود قريب من الدرجة الأولى مصاب بالفصام يزيد من خطر الإصابة، مما يؤكد الأساس الوراثي للمرض.

3. اضطراب طيف التوحد 

يُعتبر التوحد اضطراباً نمائياً عصبياً ذا أساس وراثي قوي. يتميز هذا الاضطراب بصعوبات في التفاعل والتواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى أنماط سلوكية مقيدة ومتكررة. الأبحاث تشير إلى وجود عدد كبير من الجينات التي تتضافر زيادة القابلية للإصابة بالتوحد.

  1. اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه

يتميز هذا الاضطراب بفرط النشاط والاندفاع وصعوبة في التركيز، ويُصنف ضمن الاضطرابات ذات الأساس الوراثي القوي. وغالباً ما يُلاحظ أن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يظهر لدى أكثر من فرد في العائلة الواحدة.

5. الاكتئاب الحاد والاضطرابات الأخرى

كما أن هناك اضطرابات أخرى تحمل مكوناً وراثياً، وإن كانت درجته تتفاوت. الاكتئاب الحاد (الاكتئاب السريري) يزداد خطر الإصابة به في وجود تاريخ عائلي، وكذلك الحال بالنسبة لبعض اضطرابات القلق التي ترتبط جينياً بمدى حساسية الفرد للتوتر والقلق، وبعض حالات اضطرابات الأكل والإدمان التي تتأثر بالأنماط الجينية المتعلقة بالتحكم في الانفعالات والسلوك.

ما هو دور البيئة والعوامل الحياتية في الإصابة بالاضطرابات النفسية؟

هل الاضطرابات النفسية وراثية

هل الاضطرابات النفسية وراثية

على الرغم من وجود جينات وراثية تزيد من احتمالية الاصابة بالضطرابات النفسية، إلا  أن العوامل البيئة تلعب دورا مهم في تحفيز ظهور مثل هذه الاضطرابات. وتتضمن العوامل ما يلي:

  • الصدمات النفسية في الطفولة
  • التعرض للعنف أو الإهمال
  • الضغوط المزمنة في العمل أو الدراسة
  • العزلة الاجتماعية أو فقدان الدعم الاسرى
  • تعاطى المخدرات أو الكحول

فخلاصة القول، الوراثة تهيئ الأرضية لظهور المرض، ولكن البيءة هى التى تحدد ما إذا كانت الاضطرابات ستظهر أم لا؟

 

هل يمكن الوقاية من الاضطرابات النفسية مع وجود تاريخ عائلي؟

نعم، يمكن وبشكل كبير الوقاية من الاضطرابات النفسية أو التخفيف من حدتها حتى مع وجود تاريخ عائلي قوي.فكما ذكرنا الاضطرابات النفسية هي نتاج تفاعل بين الاستعداد الوراثي والعوامل البيئية لدى الأشخاص. ومن هنا من الممكن وضع استراتيجيات الوقاية الأساسية وغعادة تأهيل سلوك الفرد، وتتمثل في:

1. إدارة نمط الحياة والصحة الجسدية:

  • النوم الجيد: ضمان الحصول على 7-9 ساعات من النوم الجيد والمنتظم، حيث أن اضطرابات النوم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاكتئاب والقلق.
  • التغذية الصحية: اتباع نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية التي تدعم صحة الدماغ، والابتعاد عن الكحول والمخدرات تماماً.
  • النشاط البدني: ممارسة الرياضة بانتظام، فهي تُعدّ من أقوى مضادات الاكتئاب والقلق الطبيعية وتساعد على تنظيم كيمياء الدماغ.

2. إدارة الضغوط والمشاعر:

  • تجنب الإجهاد المزمن: تعلم تقنيات إدارة الضغوط والاسترخاء (مثل التأمل أو اليوجا). محاولة تقليل التعرض للضغوط المستمرة في العمل أو الحياة الشخصية.
  • بناء المرونة النفسية: تعلم مهارات التأقلم الفعّالة والقدرة على “معالجة وتنظيم” المشاعر بدلاً من كبتها.
  • تحديد المحفزات: الوعي بالعوامل التي تزيد من التوتر أو القلق لديك (العلاقات السامة، أو الضغوط العملية المفرطة) والعمل على تجنبها أو التعامل معها بفعالية.

3. التدخل المبكر والدعم المهني:

  • الاستشارة النفسية الوراثية: إذا كان التاريخ العائلي قوياً، فإن استشارة أخصائي وراثي نفسي يمكن أن توفر معلومات دقيقة حول المخاطر وتساعد في وضع استراتيجيات وقائية شخصية.
  • المتابعة الدورية: إذا شعرت بأي علامات تحذير مبكرة (مثل التغير المفاجئ في المزاج، اضطرابات النوم أو الشهية، العزلة)، اطلب المساعدة المهنية على الفور. التدخل المبكر غالباً ما يمنع تطور الاضطراب إلى حالة مزمنة أو حادة.
  • بناء شبكة دعم قوية: الحفاظ على علاقات صحية وداعمة مع الأهل والأصدقاء وعدم اللجوء إلى العزلة.

الخلاصة:

لا يعني العامل الوراثي أن المصير محتوم. بدلاً من الخوف، يمنحك التاريخ العائلي معرفة وقائية قيمة. يمكنك استخدام هذه المعرفة لاتخاذ خيارات واعية في نمط حياتك وبيئتك، مما يساعدك على إبقاء الاستعداد الوراثي في وضع “الإيقاف” وتقليل احتمالية الإصابة بالمرض.

المصادر

مصدر 1

مصدر 2